الرئيسية أخبارنا النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.. هل تفقد طهران أذرعها الإقليمية؟

النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.. هل تفقد طهران أذرعها الإقليمية؟

أخبار عامة 12/08/2026

بقلم: محمد جلال العلي

  • من "أخطبوط النفوذ" إلى أزمة البقاء: هل تفقد إيران شبكة أذرعها الإقليمية؟

تعد الضربات السعودية الأخيرة مؤشرا مهما على تغير نمط الصراع في الشرق الأوسط، الذي لم يعد يدور فقط حول حدود الدول أو توازنات الجيوش النظامية، بل أصبح مرتبطا بمنظومات نفوذ عابرة للحدود تمتلك أذرعا عسكرية وسياسية قادرة على التأثير في القرار السيادي للدول.

ولا يمكن فهم طبيعة هذه المنظومة دون العودة إلى التحولات التي أعقبت الثورة الإيرانية عام 1979، عندما تولى آية الله الخميني قيادة الجمهورية الإسلامية، وتبنى النظام الجديد رؤية تقوم على توسيع النفوذ الإقليمي عبر دعم حلفاء وشبكات مسلحة خارج الحدود.

وفي العام نفسه، تأسس الحرس الثوري الإيراني باعتباره مؤسسة عسكرية أيديولوجية لحماية النظام الجديد، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى الأداة الأساسية في إدارة المشروع الإقليمي الإيراني، وبناء شبكات النفوذ العسكرية والسياسية في المنطقة.

وكان تأسيس حزب الله في لبنان عام 1982 من أبرز مراحل هذا المشروع، حيث شكل نموذجا مبكرا لبناء ذراع مسلحة مرتبطة سياسيا وعسكريا بإيران خارج حدودها. ومع مرور العقود، توسعت هذه الشبكة لتشمل ساحات أخرى، خصوصا العراق واليمن، مستفيدة من ظروف الصراع وضعف مؤسسات الدولة، لتتحول تدريجيا إلى ما يشبه "أخطبوط النفوذ" الممتد عبر عدة دول عربية.

وقد منحت هذه الشبكة إيران قدرة كبيرة على التأثير في معادلات الأمن والسياسة الإقليمية، لكنها في الوقت ذاته أثارت إشكاليات مرتبطة بسيادة الدول، خصوصا مع امتلاك بعض الجماعات المسلحة قدرة مستقلة على التأثير في قرارات الحرب والسلم، بما أدى إلى ظهور مراكز قوة موازية للدولة.

لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن طبيعة المواجهة بدأت تتغير؛ فلم تعد القضية محصورة في احتواء النفوذ الإيراني أو ممارسة الضغط السياسي عليه، بل يبدو أن مركز الاهتمام انتقل إلى إضعاف البنية التي تمنح هذه المنظومة قدرتها على الاستمرار، أي مركز القيادة والسيطرة والدعم الذي يربط إيران بأذرعها الإقليمية.

يبرز العراق في هذا السياق باعتباره من أهم ساحات التحول. فقد أعلنت وزارة الدفاع السعودية تنفيذ ضربات نوعية بالتعاون مع الجيش الأمريكي ضد مليشيات في العراق

فالقوة في أي منظومة لا تعتمد فقط على عدد عناصرها أو حجم انتشارها، وإنما على وجود مركز ثقل يمنحها القدرة على التماسك وإعادة التنظيم. وعندما يتعرض هذا المركز للضعف أو الشلل، فإن بقية أجزاء المنظومة تبدأ بفقدان جزء من قدرتها على العمل بالكفاءة نفسها، حتى لو بقيت بعض عناصرها الميدانية موجودة.

إعلان
 

وهنا يمكن قراءة حجم العمليات العسكرية التي استهدفت إيران وطبيعة الأهداف التي طالتها باعتبارها محاولة لضرب مركز الثقل، وليس فقط تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة. فالضربات التي استهدفت القدرات العسكرية والقيادية الإيرانية تحمل رسالة إستراتيجية تتجاوز الجانب العسكري المباشر، إذ تستهدف قدرة المنظومة على إدارة عملياتها والحفاظ على شبكة نفوذها الخارجية.

فالهدف في مثل هذه العمليات لا يكون فقط تدمير مواقع أو إضعاف قيادات، وإنما التأثير في قدرة الدولة المستهدفة على إدارة منظومتها الإقليمية. فالأذرع المسلحة لا تعمل بمعزل عن المركز الذي يوفر لها التمويل والدعم السياسي والقدرة على التنسيق. ولذلك فإن إضعاف المركز يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من الصراع: مرحلة التعامل مع الأذرع نفسها.

وهنا تظهر أهمية تعقد المسار التفاوضي بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية. فالمفاوضات في مثل هذه الحالات لا تتعلق فقط بالملفات المباشرة، وإنما ترتبط أيضا بشكل النظام الأمني الذي سيخرج من الصراع. وكلما طال أمد التفاوض دون اتفاق واضح، بالتزامن مع استمرار الضغط العسكري، ازدادت المؤشرات على أن الهدف قد يكون إعادة تشكيل البيئة الإقليمية، وليس فقط الوصول إلى تسوية محدودة.

وبمعنى آخر، فإن السؤال لم يعد فقط: ما الذي يمكن أن تقدمه إيران في أي اتفاق محتمل؟ بل أصبح: هل تستطيع إيران الحفاظ على شبكة النفوذ التي بنتها في المنطقة بعد تعرض مركزها للضغط؟

ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من استهداف المركز إلى التعامل مع الامتدادات الإقليمية.

ويبرز العراق في هذا السياق باعتباره من أهم ساحات التحول. فقد أعلنت وزارة الدفاع السعودية تنفيذ ضربات نوعية بالتعاون مع الجيش الأمريكي ضد مليشيات في العراق. وتمثل هذه الخطوة تطورا مهما من الناحية السياسية والأمنية؛ لأنها تشير إلى دخول دول عربية بشكل أكثر مباشرة في التعامل مع جماعات مسلحة مرتبطة بإيران.

وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يعكس تغيرا في طبيعة المعادلة الإقليمية. فخلال السنوات الماضية كانت المواجهة مع النفوذ الإيراني تدار غالبا من خلال الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، بينما كانت الدول العربية تتعامل معها عبر أدوات سياسية وأمنية مختلفة. أما اليوم، فإن تصاعد التهديدات العابرة للحدود يدفع باتجاه دور عربي أكبر في حماية الأمن الإقليمي.

فالدول العربية لا تواجه فقط مشكلة نفوذ إقليمي، بل تواجه تحديا يتعلق بمفهوم الدولة نفسه. فوجود جماعات مسلحة تمتلك قدرة مستقلة على التأثير في قرارات الحرب والسلم يعني عمليا وجود مراكز قوة موازية للدولة، وهو ما يؤدي إلى إضعاف المؤسسات الوطنية وتعطيل التنمية والاستقرار.

ولهذا فإن المعركة الأساسية ليست مع مجتمع أو طائفة أو مذهب، وإنما مع فكرة السلاح خارج إطار الدولة، ومع تحويل الدول إلى ساحات تستخدمها القوى الإقليمية لإدارة صراعاتها.

إن أي إستراتيجية تهدف إلى إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة يجب أن تترافق مع مشروع لإعادة بناء المؤسسات وتعزيز قدرة الدولة على احتكار القوة والقرار

كما يمكن قراءة التعاون الأمريكي السعودي في التعامل مع المليشيات داخل العراق باعتباره مؤشرا على إعادة توزيع أدوار الأمن الإقليمي. فالولايات المتحدة تمتلك القدرات العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية، بينما تمتلك الدول العربية المعنية المصلحة المباشرة والعمق الجغرافي والمعرفة بطبيعة البيئة الإقليمية.

إعلان
 

وقد يمثل ذلك بداية انتقال من مرحلة الاعتماد الكامل على القوى الخارجية إلى مرحلة تتحمل فيها الدول العربية مسؤولية أكبر في إدارة أمنها وحماية مصالحها.

كما أن التطورات السياسية في سوريا تعكس جانبا آخر من هذه التحولات. فالتأكيد على أن سوريا لا تريد أن تكون ساحة لصراعات الآخرين يعكس إدراكا متزايدا بأن استقرار المنطقة يبدأ من إعادة بناء الدولة الوطنية، وليس من استمرار التنافس بين القوى الخارجية عبر جماعات مسلحة.

فالدرس الأبرز خلال العقد الماضي هو أن ضعف الدولة لا يؤدي إلى نهاية الصراع، بل يفتح المجال أمام صراعات أكثر تعقيدا. ولذلك فإن أي إستراتيجية تهدف إلى إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة يجب أن تترافق مع مشروع لإعادة بناء المؤسسات وتعزيز قدرة الدولة على احتكار القوة والقرار.

لكن التحولات الحالية لا يمكن فصلها عن المشهد الدولي الأوسع. فالولايات المتحدة تواجه منافسة إستراتيجية متزايدة مع الصين، وتسعى إلى بناء شبكة من الشركاء القادرين على تحمل مسؤوليات أكبر في المناطق الحيوية. وفي هذا السياق، تصبح الدول العربية المستقرة والقوية أكثر أهمية باعتبارها شركاء إستراتيجيين، وليس مجرد أطراف تعتمد على الدعم الخارجي.

وقد يؤدي ذلك إلى انتقال العلاقة بين الولايات المتحدة والدول العربية من نموذج "الحماية مقابل الاعتماد" إلى نموذج "الشراكة وتقاسم المسؤوليات". فالولايات المتحدة توفر القدرات الإستراتيجية والتكنولوجية، بينما توفر الدول العربية الثقل الإقليمي والقدرة على التأثير المباشر في محيطها.

هل يبقى فضاء لصراع القوى عبر الجماعات المسلحة، أم يتحول إلى نظام إقليمي تكون فيه الدولة الوطنية هي اللاعب الوحيد القادر على تحديد مستقبلها؟

إن التحول الأكبر الذي قد ينتج عن هذه المرحلة ليس فقط تراجع نفوذ طرف إقليمي أو صعود طرف آخر، وإنما إعادة تعريف مفهوم الأمن في الشرق الأوسط.

فالمعادلة التي حكمت المنطقة خلال العقود الماضية قامت إلى حد كبير على صراع النفوذ عبر الوكلاء، أما المرحلة المقبلة فقد تشهد انتقالا تدريجيا نحو معادلة جديدة يكون فيها التعاون بين الدول والمؤسسات الرسمية هو الأداة الأساسية لإدارة الأمن والاستقرار.

لكن نجاح هذا التحول يبقى مرتبطا بعامل حاسم: قدرة الدول العربية على بناء مؤسسات قوية، لأن الفراغ السياسي والأمني هو البيئة التي تسمح دائما بظهور القوى الموازية للدولة.

إن ضرب مركز أي منظومة نفوذ قد يضعفها، لكنه لا يكفي وحده لإنهائها. النهاية الحقيقية لا تتحقق إلا عندما تصبح الدولة أقوى من أي جماعة، والمؤسسات أقوى من أي شبكة نفوذ، والقانون أقوى من أي سلاح خارج إطار الدولة.

ولهذا فإن المعركة الحالية ليست فقط حول إيران أو أذرعها، بل حول شكل الشرق الأوسط القادم: هل يبقى فضاء لصراع القوى عبر الجماعات المسلحة، أم يتحول إلى نظام إقليمي تكون فيه الدولة الوطنية هي اللاعب الوحيد القادر على تحديد مستقبلها؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ملامح المنطقة لعقود قادمة.

ففي النهاية، لن يكون مستقبل الشرق الأوسط لمن يمتلك أكبر عدد من الأذرع، بل لمن يمتلك أقوى الدول.

الصور

الفيديوهات