الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اصطفاه، في شهر ربيع الأنور نحتفي بمن أحيا اللهُ به القلوب: نلتقي بنية الفرح والابتهاج بمولد من أخرج البشرية من الظلمات إلى النور، وأحيا الأرض بعد موتها بالعدل والحق والرحمة.
ونظهر المحبة والشوق عن حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والشوق لرؤيته وشفاعته، امتثالاً لقوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}.
ونجدد العهد بالاقتداء والتجديد: نية التعرف على سيرة النبي العطرة، وتجديد العهد على التمسك بأخلاقه ونهجه في بيوتنا ومع عائلاتنا.
هذا السؤال ليس مجرد استفهام يُجاب عنه بـ "نعم" ، بل هو سؤال يهزّ أعماقنا ويحتاج منا إلى وقفة صدق مع أنفسنا.
لو سألتِ أي زوجة: "هل يحبكِ زوجكِ؟"، فأجابت: "هو يقول إنه يحبني، لكنه يتركني في أشد أوقاتي حاجةً إليه، لا ينصرني إذا ظُلمت، ولا يهتم لأمري ولا يراعي ما يرضيني"، فهل ستصدق هذا الحب؟ بالطبّع لا! لأن الحب ليس كلماتٍ تُقال، ولا قصائد تُلقى، الحب أفعالٌ تُثبت، ومواقف تُترجم، وانحيازٌ تام لمن نحب وقت الشدة قبل الرخاء.
وكذلك حبنا لسيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. لا يمكن أن يكون مجرد ادعاء باللسان، بل هو اتباعٌ واقتداء.
المظاهر الشكليّة: نرى اليوم في ذكرى المولد الشريف اهتماماً بالغةً بتزيين المساجد والبيوت بالأنوار، وإقامة الحفلات والولائم، وتوزيع الحلوى، وإلقاء الخطب الرنانة. هذه المظاهر -وإن كان أصلها التعبير عن الفرح- أصبحت لدى الكثيرين هي كل الاحتفال.
التناقض الواقعي: في المقابل، نجد تراجعاً ملموساً في تمثّل هديه ﷺ في بيوتنا وسلوكياتنا؛ خفتت الأنوار المحمدية في المعاملات اليومية، وغاب الرفق والتسامح، وحلّت العصبية والجفاء في واقع الكثير من الأسر والمجتمعات.
غفلة الأمة: نتغنى بالرحمة المهداة والشمائل الشريفة في المجالس، ثم نخرج منها لنخالف أوامره، ونغفل عن سنته، ونتبع أهواءنا، وكأن الصلاة والسلام عليه مجرد طقسٍ عابر لا يغير في واقعنا شيئاً.
ما ليس تكريماً صادقاً: التكريم ليس بإيقاد الأنوار ولا باكتظاظ القاعات ولا برف رفع الشعارات؛ فالأنوار قد تضيء المباني لكنها لا تضيء القلوب إذا كانت غافلة.
التكريم الصادق هو الاتباع: التكريم الحقيقي هو الانقياد التام لشرع الله، والتأسّي بأخلاق النبي ﷺ في معاملاتنا، وتربية أبنائنا، وحفظ ألسنتنا، وإصلاح ذات بيننا دون تردد أو تراخٍ.
طبيعة الوحي: ما جاء به النبي ﷺ ليس رأياً بشرياً يُؤخذ منه ويُترك، بل هو وحيٌّ إلهي وشرعٌ سماوي معصوم، من أحبه صادقاً أطاعه، ومن عظّمه حقيقةً جعل سنته هي الحاكمة على حياته وبيته.
إن التحول من "الاتباع الكامل" إلى "الاتباع الجزئي والضعف" لم يحدث فجأة، بل كان تدريجياً عبر التهاون في الصغائر والسنن:
مثل الثوب السابغ: الثوب له عُرىً متماسكة؛ إذا حُلّت عروة واحدة تتابعت باقي العُرى حتى ينخلع الثوب كلياً.
مثل البناء الشامخ: ينكسر منه حجر في الأعلى؛ فإن لم يُرمَّم يوهن ما حوله حتى ينهار البناء كاملاً.
النتيجة: التهاون بالسنن يجر للتهاون بالفرائض، والتهاون بالمكروهات يجر لارتكاب المحرمات، فالإسلام كلٌّ لا يتجزأ.
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم: لا يواجه أحداً بما يكره
كان من أرقّ أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وأشدّها رفقاً بالقلوب أنه "لا يواجه أحداً بما يكره". فإذا رأى سلوكاً غير مستحب من شخص، لم يحرجه أمام الناس ولم يكسر خاطره بالتقريع المباشر، بل كان يوجّه النصيحة بأسلوب أسلَس وأبقى أثراً، فيقول: «ما بالُ أقوامٍ يفعلون كذا وكذا».
في مجالس النساء اليوم، وخلال اللقاءات الاجتماعية وحتى عبر مجموعات التواصل، كثيراً ما تقع بعفويّة -أو بقسوة غير مقصودة- مواجهات مباشرة تُحرج الطرف الآخر؛ كالانتقاد المباشر لشكل إحداهن، أو طريقة تربيتها لأبنائها، أو نقد ذوقها أو حديثها أمام الجمع.
تطبيق هذا الخُلق النبوي في واقعنا يعني:
التغافل والتلميح دون التصريح: إذا رأينا خطأً أو سلوكاً لا يعجبنا، نوجّه النصيحة بأسلوب عام شمولياً يراعي شرف الكلمة ولا يجرح القائل أو الفاعل.
حفظ كرامه الخاطر: النصيحة المباشرة جهاراً قد تُشعر صاحبتها بالدفاع عن النفس بدل الاستجابة، بينما التعريض والتلميح الرفيق يُبقي للودّ بقية وللكرامة مكانتها.
1. (الستر ولين الجانب):
كان صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عن تتبّع العثرات أو التدقيق في زلات اللسان. لم يكن يواجه أحداً بعيبه، بل يحلم ويتغافل، ويقبل عذر الاعتذار.
في واقعنا: نحتاج شديداً للين الجانب في مجالسنا، والتغافل عن الكلمات غير المقصودة أو التصرفات البسيطة التي قد تسبب المشاحنات بين الصديقات أو الأقارب.
2. طلاقة الوجه وإدخال السرور دون تمييز:
كان صلى الله عليه وسلم "دائم البشر، سهل الخُلق، لين الجانب"، يعطي كل من جلس معه نصيبه من الاهتمام حتى يظن الجليس أنه أحب الناس إليه، ولا يعامل أحداً بجفاء أو استعلاء.
استثمار هذا الشهر المبارك: تجديد الصلة والتعرف على السيرة
إن ذكرى المولد الشريف ليست يوماً يمرّ وانتهى، بل هي محطة انطلاق وفرصة ذهبية نغتنمها لتجديد الصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم في نفوسنا، وفي بيوتنا، ومع أبنائنا وبناتنا وطلابنا.
فإذا كنا نريد لحبه ﷺ أن يتجذر في قلوب جيلنا الجديد، فلا بدّ أن نتحول من مجرد الشوق العاطفي إلى الاستثمار التربوي والعملي طوال هذا الشهر المبارك.
1. قراءة واعية للسيرة في البيوت والمجالس:
أن نخصص وقتاً يومياً أو أسبوعياً في البيت لقراءة كتاب سلس في السيرة النبوية. لا لتكون قراءة سردية عابرة، بل قراءة واعية نتوقف فيها عند مواقفه ﷺ: كيف كان مع زوجاته؟ كيف كان يربي أبناءه؟ كيف كان يتصرف عند الأزمات؟
2. تشجيع الأطفال والناشئة بمسابقات هادفة:
الأطفال يحبون التنافس والتكريم، ويمكننا إطلاق "مسابقة النور المحمدي" في البيت أو المدرسة أو الحي:
مسابقة حفظ 10 أحاديث نبوية قصيرة مع شرح ميسر لمعانيها وتطبيقها العملي في حياتهم اليومية.
إقامة حفل تكريم بسيط في نهاية الشهر توزيع فيه الجوائز والهدايا على الفائزين والمشاركين، ليرتبط حب النبي ﷺ في أذهانهم بالفرح والإنجاز والتقدير.
3. ربط الأخلاق بالسلوك اليومي:
أن نرفع في البيت شعاراً أسبوعياً مستمداً من شمايل النبي ﷺ، مثل: (أسبوع الرفق)، (أسبوع الكلمة الطيبة)، (أسبوع التغافل وحسن الظن)، ونُدرّب أنفسنا وأبناءنا على تمثّل هذا الخلق اقتداءً به.
ليكن هذا الشهر بداية لعهد جديد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتعرف فيه عليه أكثر، ونقرأ سيرته بشغف، ونغرس حبه العملي في قلوب أبنائنا، حتى تكون بيوتنا مضاءة بهديه وأخلاقه طوال العام.