الرئيسية المقالات العزلة في زمن الضجيج
عز العلماء

العزلة في زمن الضجيج

03/08/2026 • عز العلماء
في عصرٍ طغت فيه الشاشات، واعتلت فيه أصوات الصخب، وتوالت فيه الإشعارات كزخات المطر التي لا تتوقف، يجد الإنسان معركةً خفية تدور في داخله. ليس الصخب اليوم ما كان معروفاً في الماضي مجرد ضوضاء في الطرقات، بل هو "ضجيجٌ رقمي ونفسي" اقتحم على العبد غرفته المغلقة، وسلب منه أثمن ما يملك: سكينة قلبه، وحضور عقله، ولذة مناجاة ربه. فأصبح العقل المعاصر في حالة استنفار دائم؛ يستقبل آلاف الرسائل، ويلهث خلف الترندات، ويغرق في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، حتى جفت القلوب، وتشتتت الأرواح، وغاب الخشوع. ومن هنا، لم تعد "العزلة الإيمانية" مجرد نافلة أو رفاهية فكرية، بل أضحت طوق نجاة، وضرورة إيمانية حتمية لحماية الدين وتزكية النفس. ١. العزلة الإيمانية: اقتداء بالنبوة واسترجاع للفطرة إن العزلة في مفهومها الإسلامي الأصيل ليست انطواءً مريضاً، ولا هروباً سلبياً من مواجهة الحياة؛ بل هي "استراحة محارب، وتنقية لقلب العبد". لو تأملنا تاريخ النبوة، لوجدنا أن العزلة كانت التمهيد الإلهي لأعظم حدث في تاريخ البشرية؛ فقد حُبِّب إلى النبي ﷺ الاختلاء في "غار حراء"، يتعبد الليالي ذوات العدد، بعيداً عن ضجيج الجاهلية وتفاهة شواغلها. هناك، في سكون الليل وصمت الصحراء، تهيأت الروح لتلقي وحي السماء. ولم تقتصر العزلة على بداية الرسالة، بل شرع الله لأمة الإسلام "الاعتكاف" في العشر الأواخر من رمضان، وسنَّ لنا "صلاة الليل" في أوقات السحر؛ حيث يهدأ الكون، وتنام العيون، ويبقى العبد في حضرة ربه خالياً، لا يراه إلا القوي القهار. إنها لحظات اقتطاع زمنية من جلبة الدنيا، لتجديد العهد مع الله. ٢. مناجاة السحر: الترميم الوجداني للقلب المكسور إن أكبر بلاء وآفة تصيب قلب الإنسان في زماننا هي "التشتت الذاتي" و"المقارنة الدائمة". يعيش المرء من خلال الشاشات في حلبة سباق لا تنتهي، يرصد نجاحات الآخرين، ويتتبع حياة السعداء الظاهرية، فيتسلل إلى قلبه الحرمان، والتسخط، والوحشة. وهنا تأتي "عزلة المناجاة" لتحدث الترميم الوجداني؛ فعندما يخلو العبد بربه، يسقط الأقنعة التي يرتديها أمام الناس، ويضع أثقاله وهمومه بين يدي من لا تضرُّه شكوى ولا يعجزه نوال. في العزلة مع الله: يفر الإنسان من ضجيج الخلق إلى أنس الخالق. في العزلة مع الله: تبكي العين دون حرج، ويتكلم اللسان بلا تكلف، وتجبر القلوب المنكسرة عند أعتاب السحر. يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته. إن كل ضجيج العالم ينطفئ عندما يهمس العبد في سجوده: "يا رب"، فيشعر بأنه أعرى ما يكون عن الناس، وأقرب ما يكون من رب الناس. ٣. كيف نحول العزلة إلى واقع إيماني معاش؟ ليست العزلة المطلوبة أن نهجر مجتمعاتنا أو نترك مسؤولياتنا، فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ وأحب إلى الله. ولكن العزلة المقصودة هي "عزلة قلبية ومحطات اقتطاع إيمانية" وسط الزحام، ونستطيع تحقيقها من خلال: خلوة الدقائق العشر: أن يقتطع المسلم من يومه (ولو عشر دقائق قبل الفجر أو بعد صلاة العشاء)، يغلق فيها هاتفه، ويجلس في مكان هادئ، ليس معه إلا مصحفه أو أذكاره، يستشعر فيها أنه في ضيافة الله. التأمل التعبدي: إعمال الفكر في آيات الله المبتثة في الكون وفي القران، بعيداً عن الآراء الجاهزة والتحليلات المتسارعة التي تمطرنا بها وسائل التواصل. ترميم "لا حول ولا قوة إلا بالله": جعل أوقات العزلة فرصة للاستمداد والتبرؤ من الحول والقوة الشخصية، والالتجاء إلى قوة الله ومتانته؛ فمن اعتمد على صخبه عجز، ومن اعتصم بالقوي سكن وروي. إن العزلة في زمن الضجيج هي "هجرة بالقلب إلى الله"؛ نخلع فيها نعلَي الدنيا وصخبها، لندخل محراب السكينة. إنها الفن الإيماني الذي يتعلم فيه المسلم كيف يستعيد نضارة روحه، ليعود إلى معترك الحياة بقلب أصلب، ونفس أهدأ، وإيمان أعمق.. فالعقل لا يصفو، والروح لا تزكو، والقلب لا يطمئن، إلا إذا اقتطع الإنسان من وقته لحظاتٍ يهمس فيها لربه: «عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى». بقلم: رزان بيانوني